ابن قيم الجوزية

127

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

القيامة » فأخبر أن جزاءه يكون من جنس عمله ، فيجزى على تلك الصدقة بحشف من جنسها . وهذا الباب يفتح لك أبوابا عظيمة من فهم المعاد ، وتفاوت الناس في أحواله ، وما يجري فيه من الأمور . قوله تعالى ذكره : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ . وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ . قال : « ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ » ولم يقل : بنارهم فإن النار فيها الإحراق والإشراق . فذهب بما فيها من الإضاءة والإشراق ، وأبقى عليهم ما فيها من الأذى والإشراق ، وكذلك حال المنافقين : ذهب نور إيمانهم بالنفاق ، وبقي في قلوبهم حرارة الكفر والشكوك والشبهات تغلي في قلوبهم ، وقلوبهم قد صليت بحرها وأذاها ، وسمومها ووهجها في الدنيا ، فأصلاها اللّه تعالى إياها يوم القيامة نارا مؤصدة تطلع على الأفئدة . فهذا مثل من لم يصبه نور الإيمان في الدنيا ، بل خرج منه وفارقه بعد أن استضاء به ، وهو حال المنافق ، عرف ثم أنكر وأقر ثم جحد . فهو في ظلمات أصم أبكم أعمى ، كما قال تعالى في حق إخوانهم من الكفار : 6 : 39 وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ وقال تعالى : 2 : 171 مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ . شبه اللّه تعالى حال المنافقين في خروجهم من النور بعد أن أضاء لهم بحال مستوقد النار ، وذهاب نورها عنه بعد أن أضاءت ما حوله ، لأن المنافقين بمخالطتهم المسلمين وصلاتهم معهم ، وصيامهم معهم ، وسماعهم القرآن ، ومشاهدتهم أعلام الإسلام ومناره ، قد شاهدوا الضوء ورأوا النور